محمد بن جرير الطبري

134

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وهم بين ظهراني سلطانك وملكك ، وهم ثمانية نفر : رئيسهم مكسلمينا ، وهم أبناء عظماء المدينة ؟ فلما قالوا ذلك لدقينوس ، بعث إليهم ، فأتى بهم من المصلى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدموع معفرة وجوههم في التراب ، فقال لهم : ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض ، وأن تجعلوا أنفسكم أسوة لسراة أهل مدينتكم ، ولمن حضر منا من الناس ؟ اختاروا مني : إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس ، وإما أن أقتلكم فقال مكسلمينا : إن لنا إلها نبعده ملأ السماوات والأرض عظمته ، لن ندعو من دونه إلها أبدا ، ولن نقر بهذا الذي تدعونا إليه أبدا ، ولكنا نعبد الله ربنا ، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا ، إياه نعبد ، وإياه نسأل النجاة والخير ، فأما الطواغيت وعبادتها ، فلن نقر بها أبدا ، ولسنا بكائنين عبادا للشياطين ، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عبادا لها ، بعد إذ هدانا الله له رهبتك ، أو فرقا من عبودتك ، اصنع بنا ما بدا لك ؛ ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقينوس مثل ما قال . قال : فلما قالوا ذلك له ، أمر بهم فنزع عنهم لبوس كان عليهم من لبوس عظمائهم ، ثم قال : أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي ، وأهل بلادي ، وسأفرغ لكم ، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة ، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانا حديثة أسنانكم ، ولا أحب أن أهلككم حتى أستأني بكم ، وأنا جاعل لكم أجلا تذكرون فيه ، وتراجعون عقولكم . ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة ، فنزعت عنهم ؛ ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده . وانطلق دقينوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبا منها لبعض ما يريد من أمره . فلما رأى الفتية دقينوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه ، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكر بهم ، فأتمروا بينهم أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه ، فيتصدقوا منها ، ويتزودوا بما بقي ، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له : بنجلوس فيمكثوا فيه ، ويعبدوا الله حتى إذا رجع دقينوس أتوه فقاموا بين يديه ، فيصنع بهم ما شاء . فلما قال ذلك بعضهم لبعض ، عمد كل فتى منهم ، فأخذ من بيت أبيه نفقة ، فتصدق منها ، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم ، واتبعهم كلب لهم ، حتى أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل ، فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ، ابتغاء وجه الله تعالى ، والحياة التي لا تنقطع ، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له يمليخا ، فكان على طعامهم ، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا من أهلها ؛ وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم ، فكان يمليخا يصنع ذلك ، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها ، ثم يأخذ ورقه ، فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا ، ويتسمع ويتجسس لهم الخبر ، هل ذكر هو وأصحابه بشيء في ملإ المدينة ، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم ، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس ، فلبثوا بذلك ما لبثوا . ثم قدم دقينوس الجبار المدينة التي منها خرج إلى مدينته ، وهي مدينة أفسوس ؛ فأمر عظماء أهلها ، فذبحوا للطواغيت ، ففزع في ذلك أهل الإيمان ، فتخبأوا في كل مخبأ ؛ وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم ، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل ، فأخبرهم أن الجبار دقينوس قد دخل المدينة ، وأنهم قد ذكروا وافتقدوا والتمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت ؛ فلما أخبرهم بذلك ، فزعوا فزعا شديدا ، ووقعوا سجودا على وجوههم يدعون الله ، ويتضرعون إليه ، ويتعوذون به من الفتنة ؛ ثم إن يمليخا قال لهم : يا إخوتاه ، ارفعوا رؤوسكم ، فاطعموا من هذا الطعام الذي جئتكم به ، وتوكلوا على ربكم ؛ فرفعوا رؤوسهم ، وأعينهم تفيض من الدمع حذرا وتخوفا على أنفسهم ، فطعموا منه ، وذلك مع غروب الشمس ، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ، ويذكر بعضهم بعضا على حزن منهم ، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من